محمد متولي الشعراوي
6344
تفسير الشعراوى
وحين يقول اللّه سبحانه : أَتى أَمْرُ اللَّهِ نفهم أن أَتى أَمْرُ اللَّهِ نسبة كلامية سبقتها نسبة واقعية . وقوله سبحانه بعد ذلك : فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ يدل على أن الأمر لم يقع ، ولكن المتكلم هنا هو اللّه سبحانه وتعالى . والمعنى أن الأمر واقع لا محالة ؛ ذلك لأن كل فعل إنما ينسب لقوة الفاعل . ومثال ذلك من حياتنا - ولله المثل الأعلى - أنك قد ترغب في أن تنقل حقيبة ضخمة وثقيلة ، فيقول ابنك الشاب : دعني أحملها لك ، وهو يقول ذلك لأنه قادر على أن يحملها في زمن يناسب قوته . وإن جاءك ابنك الصغير وقال : سأحملها أنا . فهو لن يحمل الحقيبة إلا في مقدار زمن يناسب قوته ، وهي قوة ضعيفة . إذن : ففي المجال البشرى أنت تحكم على الماضي ، وقد يكون الحكم صادقا أو كاذبا ، ولكنك بالنسبة لأمر مستقبل ، لا تستطيع أن تحكم عليه ؛ لأنك لا تملك من المستقبل شيئا . أما إذا كان قائل الكلام قادرا على إنفاذ ما يقوله الآن في المستقبل ، ولا عائق يعوقه ، فاعلم أن الأمر قادم لا محالة . وهنا نجد الإخبار من اللّه سبحانه وتعالى ، ولا شئ في الكون يتأبّى « 1 » على اللّه سبحانه . وما دام الحق سبحانه قد قال إنه أمر قد أتى ، فهو آت لا محالة .
--> ( 1 ) أبى الشئ : يأباه من باب فرح - إباء وإباءة : وأبى الشئ يأبيه - من باب ضرب - امتنع عنه وكرهه ولم يرضه . قال الحق سبحانه : فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى . . ( 34 ) [ البقرة ] وقوله : فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها . . ( 72 ) [ الأحزاب ] وقوله : وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ . . ( 32 ) [ التوبة ] ويتأبى يمتنع . القاموس القويم بتصرف .